Page 88 - web
P. 88

‫الإنسان يبقى الثروة الحقيقية في المجتمع التي تستدعي كل‬              ‫لإيذاء الغير بدافع حجج مغلوطة؛ ما يشكل خط ًرا على أمن‬             ‫‪88‬‬
 ‫الاهتمام والرعاية والعناية‪ ،‬باعتبار أن السياسة الجنائية تع ّدت‬             ‫الوطن والمواطن‪ ،‬بل والإنسانية جمعاء‪ ،‬وبهذا يكون الهدف‬
 ‫النظرة التقليدية المتمثلة في تنفيذ العقوبة على الجناة فقط‪ ،‬بل‬             ‫المحوري للسياسات الجنائية‪ ،‬وفق النظرة الحديثة‪ ،‬هو تنفيذ‬
‫أصبحت من منظور حديث تسعى إلى إصلاح السجناء وتأهيلهم‬                           ‫العقوبة التي يقرها القانون وإصلاح أكبر عدد من السجناء‬
                                                                                   ‫بإعطائهم فرصة ثانية للعودة إلى أحضان مجتمعهم‪.‬‬
     ‫لضمان عدم عودتهم للإجرام‪ ،‬وفق برامج علمية وتطبيقية‬                      ‫ولعل من بين العوائق التي قد تواجهها العملية‪ ،‬الواقع‬
  ‫مدروسة مستنبطة من تبادل التجارب والاستفادة من الخطط‬
  ‫الاسترشادية الأممية والدولية بهدف تحقيق الأمن والاستقرار‬              ‫الاقتصادي العام الذي تعيشه معظم الدول من بطالة‪ ،‬والوضع‬
                                                                          ‫الق ْبلي للسجين أي قبل دخوله السجن‪ ،‬الذي يكون في الغالب‬
                                 ‫والتنمية وطن ًيا وإقليم ًيا ودول ًيا‪.‬‬        ‫مثقاًًل بالديون‪ ،‬وفي وضع اجتماعي صعب‪ ،‬وصعوبة قبول‬
      ‫وفق هذا المنظور يعتبر الإدماج الاجتماعي نتيجة‪ ‬لتأهيل‬                   ‫المجتمع العربي المحافظ لبعض الفئات من السجناء‪ ،‬منهم‬
‫السجناء‪ ‬وإعدادهم تربو ًيا ونفس ًيا واجتماع ًيا ومهن ًيا للقدرة على‬       ‫المتورطون في قضايا جنسية ضد ال ُق ّصر وقضايا الإرهاب‪ ،‬وأي ًضا‬
  ‫التعايش من جديد مع ذويهم ومحيطهم الاجتماعي والعودة‬                        ‫غياب الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية الفاعلة التي ترافق‬
‫للعيش في المجتمع بطريقة إيجابية دون مشاعر الحقد والانتقام‬                     ‫المفرج عنهم وذويهم لتمكين إدماجهم الاجتماعي‪ ،‬ونقص‬
 ‫والنقص‪ ،‬وبالتالي طي صفحة السجن والجريمة نهائ ًيا‪ ،‬وبداية‬                 ‫الدراسات والبحوث المتخصصة في الموضوع على مستوى الوطن‬
‫حياة جديدة ترتكز على التوبة النصوحة والعمل الجاد والفاعلية‬                                                                       ‫العربي‪.‬‬
                                                                                  ‫إذ من الواجب النظر بإيجابية لعملية تأهيل وإدماج‬
                                                    ‫الاجتماعية‪.‬‬                ‫السجناء في المجتمع؛ لما توفره من مزايا تصب في جوهرها‬
   ‫مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة يرى في هذا‬                    ‫في المحاربة الجذرية للجريمة ومعاودتها‪ ،‬مع إشراك المفرج‬
 ‫الشأن أن برامج إعادة التأهيل في السجون من الأمور الأساسية‬                    ‫عنهم المستفيدين من الإدماج الاجتماعي في العمل الوقائي‬

     ‫في حماية المجتمع من الجريمة والحد من معاودة الإجرام‪،‬‬               ‫والتوعية والإرشاد في الأوساط الشبابية‪ ،‬وفي المجمعات السكنية‬
       ‫بتهيئة السجناء للإفراج عنهم وإعادة إدماجهم بنجاح في‬                 ‫والأحياء‪ ،‬والاستعانة بهم كعينات في التحليل الجنائي ورسم‬
                                                                            ‫الخطط المستقبلية‪ ،‬وأي ًضا إشراكهم ضمن مقاربة مجتمعية‬
    ‫المجتمع‪ ،‬وهذا من خلال البرامج المن َّفذة في السجون وتقديم‬              ‫وجوارية في العمل الشرطي التوعوي لمحاربة العنف الحضري‬
‫الدعم إليهم بعد الإفراج عنهم‪ ،‬بنا ًء على برنامج عالمي مسطر في‬             ‫الذي بدأ في التوسع ببعض المدن العربية بشكل لافت للانتباه‪،‬‬
                                                                           ‫ومن المزايا أي ًضا إرجاع الأفراد إلى أحضان المجتمع‪ ،‬والح ّد من‬
  ‫هذا الخصوص يتضمن مجموعة ثرية من الأنشطة البناءة التي‬                       ‫ثقل الميزانيات والنفقات المالية لقطاع السجون‪ ،‬لتخصيصها‬
‫يجري تنفيذها في السجون‪ ،‬بما في ذلك التعليم والتدريب المهني‬                                                  ‫لنشاطات التأهيل والإدماج‪.‬‬
                                                                                ‫ولهذا دولنا العربية وبحكم تاريخها وشيمها وأخلاقها‬
  ‫وبرامج العمل‪ ،‬بالإضافة للأنشطة الرياضية‪ ،‬وهذا ما يتطابق‬                   ‫الحميدة المستمدة من السماحة والعفو والتوبة‪ ،‬التي يثمنها‬
 ‫أي ًضا مع رؤى الدول العربية وعملها الميداني مع نزلاء السجون‪.‬‬               ‫الإسلام ويثيب عليها أحسن الجزاء في الأولى والآخرة‪ ،‬تتبنى‬
  ‫ويزخر التعاون العربي في مجال مكافحة الجريمة عبر تأهيل‬                   ‫أساليب إنسانية في معاملة السجناء لتمكينهم من الإقلاع عن‬
                                                                            ‫الجريمة والعدول عنها نهائ ًيا‪ ،‬بتأهيلهم وإعادة إدماجهم في‬
     ‫السجناء وإدماجهم اجتماع ًيا بعدة مبادرات وطنية تتماشى‬                    ‫المجتمع ومرافقتهم بداية من دخولهم المؤسسات العقابية‬
  ‫وخصوصية كل بلد عربي‪ ،‬يطول سردها ولعل ما سنقدمه هو‬
‫على سبيل المثال فقط‪ ،‬بذكر بعضها كعينات بداية من دولة قطر‬                ‫والإصلاحيات إلى حين قضاء عقوبتهم القانونية والإفراج عنهم‪،‬‬
                                                                          ‫وما هذا إلا لتحقيق هدف سا ٍم وأساسي يتمثل في إعطاء فرصة‬
                           ‫والجزائر والمملكة العربية السعودية‪.‬‬              ‫ثانية للفرد‪ ،‬وجعله صال ًحا ومنت ًجا‪ ،‬ومساه ًما في تعزيز أمن‬
                                                                         ‫وطنه واستقرار مجتمعه وأن لا يكون عالة على وطنه بمشاركته‬
                    ‫كيف تؤهل قطر السجناء لحياة أفضل؟‬                                                              ‫في التنمية الاقتصادية‪.‬‬
    ‫تتابع قطر موضوع تأهيل وإدماج السجناء عن كثب‪ ،‬فقد‬                             ‫والدول العربية وفق المنظور الدولي وتنفي ًذا لما تسطره‬
   ‫ت ّم احتضان أشغال ورشة العمل الإقليمية حول برامج إعادة‬
    ‫التأهيل في السجون‪ ،‬التي نظمتها بالتعاون مع مكتب الأمم‬               ‫المنظمات الأممية والإقليمية من برامج وخطط في مجال مكافحة‬
    ‫المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في نوفمبر ‪ ،2019‬وهذا في‬               ‫الجريمة‪ ،‬فإنها تقدم جهو ًدا جيدة وتخصص ميزانيات ثقيلة‬
    ‫إطار تنفيذ البرنامج العالمي لإعلان الدوحة الصادر عن مؤتمر‬              ‫لتأهيل وإعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد الإفراج عنهم‪،‬‬
    ‫الأمم المتحدة الثالث عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في‬
    ‫‪ ،2015‬حيث تم استعراض الجهود الوطنية المقدمة من قبل‬                    ‫مع مراعاة خصوصيات مجتمعاتها واحتياجاتها التي تتضمنها‬
                                                                            ‫سياستها الجنائية الهادفة من جهة إلى تجسيد دولة القانون‬
       ‫مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات‬                                 ‫والقصاص والإنصاف‪ ،‬ومن جهة أخرى استرجاع أبناء الوطن‬
      ‫والجريمة يرى أن برامج إعادة التأهيل‬
                                                                               ‫وأنسنة السجون واحترام حقوق الإنسان‪ ،‬إيما ًنا منها بأن‬
         ‫في السجون من الأمور الأساسية في‬
     ‫حماية المجتمع من الجريمة والحد من‬

                             ‫معاودة الإجرام‬
   83   84   85   86   87   88   89   90   91   92   93